وبالله نستعين
فهذا بحث كتبته في 5 / 3 / 2005م تناولت فيه مسألة المقاطعة الإقتصادية من المنظور الشرعي واجتهدت في البحث عن الأدلة الشرعية
والتنقيب عن الشواهد العصرية التي تتناول ذلك الأمر
وإني أعيد كتابة هذا البحث , وجدولة صياغته ، وتهذيب ألفاظه
حتى يخرج إلى إخواني في مجالس العوازم بثوب قشيب ، وحلة جميلة
ليستفيدوا وجهة نظر شرعية تفيدهم في حياتهم ، بدل الإنشغال في أمور عقيمة !
وقد أسميت بحثي ( الأدلة الشرعية والشواهد العصرية على جواز المقاطعة الإقتصادية )
والمعني بالمقاطعة : هم الكفار ، ويجوز أن يقاطع المسلم لمصلحة راجحة
عملي في هذا البحث :-
1_ الإطلاع على أكبر قدر ممكن من البحوث والكتب والدراسات .
2_ العناية بالجانب الشرعي ، فمدار البحث يدور عليه ( وهذا هو تخصصي ) .
3 _ إبراز آثار المقاطعة الإقتصادية تاريخيا .
4 _ التطرق فقهيا لمسألة التعامل التجاري مع الكفار .
5 _ إيراد بعض شبهات المانعين ، والرد عليها .
6 _ كلمة الوسطية في مسألة المقاطعة الإقتصادية .
7_ كلمة أخيرة .
هذا وأتمنى أن يكون بحثي ليس بالطويل الذي يمل ، أو بالقصير الذي يخل
وأرجو أن أكون قد قدمت شيئا شرعيا يحتاجه الناس ، ويتسائلون عنه
((( مقدمة )))
دأب الإعلام الغربي بكل إسفاف على النيل من مقام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
بالطعن فيه وتنقصه تارة ، وبرسومات كاريتيرية قبيحة تارة أخرى
وما أقدموا على ذلك إلا لما رأوا هوان المسلمين على أنفسهم
إن مما يثير الأسى في النفوس أن بعض المسلمين لا تكون لديه ردة فعل مشروعة تجاه ذلك
بل إن من القبيح رأيا أن يسمى ذلك حرية تعبير أو مما سقط سهوا !
يقول شيخ الإسلام بن تيمية ( ..... وإن كان الله قد أغنى رسوله عن نصر الخلق
ولكن ليبلوا بعضكم ببعض وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ) أ.ه
وإن مما يثير الفرح والسرور في النفوس تلك الصحوة الإسلامية التي غضبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بكل شكل مشروع
((( صورة من المقاطعة الإقتصادية عبر التاريخ )))
1 _ اتفاق قريش على مقاطعة بني هاشم ، وبني عبدالمطلب ، وذلك بأن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ولا يبيعونهم شيئا ، ولا يبتاعوا منهم ، وقد استمرت هذه المقاطعة ثلاث سنين
2 _ مقاطعة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك في زمان النبي صلى الله عليه وسلم
وقد استمرت أربعين يوما
3_ في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ، وفي إبان حركة تحرير إيرلنداضدالسيطرةالإنجليزية
امتنع حلف الفلاحين من التعامل مع وكيل أحد اللوردات الإنجليز من أصحاب الإقطاعات الزراعية في إيرلندا
4 _ في عام 1921 م ، أصدر حزب الوفد المصري ، بعد إعتقال زعيمه سعد زغلول ، قرارا بالمقاطعة الشاملة ضد الإنجليز
5 _ ما دعا إليه الزعيم الهندي غاندي من مقاطعة البضائع الإنجليزية ، وبإحراقها علنا في بومباي
6 _ بعد الحرب العالمية الثانية ( 1939 م _ 1945 م ) امتنع كثير من الأوربيين في أوربا عن شراء البضائع الألمانية بسبب إحتلالها لبلادهم
7_ قاطع السود في مدينة مونتجمري بولاية ألباما نظام سير الحافلات
مما قضى على سياسية الفصل الإجتماعي داخل الحافلات منذ الستينات
8 _ ما قام به الملك فيصل من استخدام سلاح المقاطعة الإقتصادية في منع تصدير البترول في أعقاب حرب 1967م ، وحرب 1973 م
9 _ معظم الدول العربية والإسلامية كانت تقاطع إسرائيل اقتصاديا بسبب إحتلالها لفلسطين
10_ مقاطعة بعض السعوديين لوكالة أحدى السيارات بسبب زيادة أسعارها ، وشنوا حملة عليها أسموها " خلوها تصدي " مما نتج عنه تخفيض الأسعار
((( حكم التعامل مع الكفار إقتصاديا من الناحية الفقهية )))
أباحت الشريعة الإسلامية التعامل مع الكفار في عقود المعاملات المالية
إذا كان المعقود عليه مباحا للمسلمين .
واستثنوا بعض المسثنيات ، منها :-
( بيع المصحف والعبد المسلم للكافر ، واستئجار الكافر مسلما للخدمة ، بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين ، بيع المحرمات،،،، وغير ذلك )
وإليكم بعضا من النصوص الشرعية الدالة على جواز التعامل مع الكفار إقتصاديا :-
1_ قوله تعالى ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذيين أوتوا الكتاب حل لكم )
قال بن قدامة : ( أجمع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب ,,,) أ.ه / المغني 13/ 293
ومن المعلوم أنهم لايبذلون الذبائح بدون ثمن ، فدل ذلك على جواز التعامل معهم بالبيع والشراء
2_ عن عائشة رضي الله عنها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعه ) رواه البخاري
قال الحافظ في الفتح معلقا على الحديث :-
( فيه جواز معاملة الكفار ، فيما لم يتحقق تحريم عين التعامل فيه ) أ.ه / الفتح 5 / 478
((( بعض الإعتراضات التي يثيرها المانعون للمقاطعة الإقتصادية , والرد عليها )))
1_ الإعتراض الأول : _ قيل : إن تقدير ضرر المقاطعة الإقتصادية وعواقبه لايقدره إلا أولي الأمر .
قلت : أ_ أن هذا كلام صحبح ، لكن آثار المقاطعة الإقتصادية لمنتجات الكفار قد بلغت منهم مبلغا عظيما ، وخسائرهم تقدر بمئات الملايين
يقول رئيس صحيفة ( جيلاندز بوستن ) الدانمركية التي نشرت الرسومات الساخرة من النبي
صلى الله عليه وسلم : -
( إني أقول وأنا أشعر بالعار أنهم انتصروا ، وأن المسلمين ربحوا معركو الرسومات
ولو كنا نعلم أن نشر هذه الرسومات سيعرض الإقتصاد والشعب الدنمركي للخطر
لما أقدمنا على نشرها )
ب_ أن ولاة أمورنا قد استنكروا فعل تلك الصحيفة الدنمركية ، وصدر بيان عن مجلس الأمة يندد بذلك ، واستدعوا السفير الدنمركي المحال من الرياض
ج_ أن المقاطعة الإقتصادية دعا إليها جمع كبير من العلماء والدعاة
وعدوه من الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم
د_ أن المقاطعة الإقتصادية قد أفضت إلى الإضرار بالكفار ، ولم يترتب عليها مفسدة ومضرة للمسلمين
فلم يفرضوا علينا حظرا اقتصاديا ، ولم يصدر بيان من ولاة أمورنا بعدم المقاطعة ، فالأصل الجواز
ه _ هل يشترط لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم الإستئذان من أحد ؟
فقد روي أن أحد الصحابة قتل يهودية سبت النبي صلى الله عليه وسلم
فكيف بمقاطعة منتجات يمكن الإستغناء عنها بتوفر البديل !
و _ من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ، وفي نصرة رسول الله تهون الأنفس قبل الأموال
فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا ،،،، لعزاء من عض الزمان ولا كرب
2_ الإعتراض الثاني : أن المقاطعة الإقتصادية تؤدي إلى زيادة الفقر والبطالة ؟
قلت : يقول تعالى ( ،،، وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ،،، )
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين )
فلنخسر من أموالنا ، ولتذهب نفوسنا فداءا لعرض النبي صلى الله عليه وسلم
هل باب الزرق معلق على بضائعهم ومنتجاتهم !
وهل يهنئ لنا لذيذ عيش بتناول منتجات سب صانعوها النبي صلى الله عليه وسلم !
وحبنا للنبي صلى الله عليه وسلم هو أحب من جميع مافي الدنيا من مال وولد
3_ الإعتراض الثالث : أن فيها مفاسد على المسلمين المقيمين في الدنمارك !
قلت : لم يظهر أي ضرر على المسلمين هناك !
بل إنهم سارعوا إلى الإنكار من باب حرية التعبير المطلقة التي يتمتعون بها
فلم نسمع عن إعتقالات ، ولا اغتصابات ، ولا سلب أو نهب
بسبب أن المسلمين قاطعوا منتجات الغرب !
4_ الإعتراض الرابع : أننا يجب أن نخاطبهم بالتي هي أحسن
ولا نلجأ إلى عنف المقاطعة الإقتصادية التي تصور المسلمين على أنهم متعصبون !
قلت : سبحان الله .......... !
هل نحن ندعو إلى حرق الأعلام ، أوالتظاهر عند السفارات ، أوخطف الدنمركيين ، أوالتهديد بقتلهم
كلا والله ،،، إن ذلك ليس من الإسلام في شيء إنما هم نوع من العبث المحرم ، والتهور الهمجي
إننا ندعو إلى المقاطعة الإقتصادية السلمية الإختيارية التي تحقق الهدف ، وتشفي صدور قوم مؤمنين
وتكون تحت رعاية علمائنا وعقلائنا
((( الأدلة الشرعية على جواز المقاطعة الإقتصادية لأعداء الملة المحمدية )))
1 _ قال تعالى ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ... )
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم ( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم )
قلت : فمن باب الجهاد إلحاق الضرر الإقتصادي بهم عن طريق المقاطعة الإقتصادية
وبذلك يتحقق جهادهم
2 _ قال تعالى ( ... ذلك بأنهم لايصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله
ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدوا نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح
إن الله لا يضيع أجر المحسنين )
قلت : في المقاطعة الإقتصادية نيل من الكفار وإغاظة لهم
قال ابن القيم عند ذكره لقصة صلح الحديبية ( .... ومنها استحباب مغايظة أعداء الله ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى في جملة هديه جملا لأبي جهل
في أنفه برة ( أي حلقة في لحم الأنف ) _ من فضة يغيظ بها المشركين ...) زاد المعاد 301/3
3 _ روى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه :-
( أن ثمامة بن أثال قيل له بعدما أسلم : أصبوت ؟ ، قال : لا ، ولكن أسلمت مع محمد ،
لا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله )
قلت : فما فعله ثمامة من تهديد الكفار بقطع الحنطة عنهم هو نوع من أنواع المقاطعة الإقتصادية
ولو كان هذا الفعل غير مشروع لما أقر عليه من النبي صلى الله عليه وسلم
وإذا جاز مقاطعة الكفار بمنع السلع عنهم ، فعدم شراء سلعهم أولى بالجواز
4 _ أن الله تعالى أمر بمقاطعة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك حتى زوجاتهم
حتى نزل فيهم أمر الله لهم بالتوبة ، وقد قاطعهم المسلمون أربعون يوما
وإذا جاز مقاطعة بعض المسلمين ليؤدبوا ، فالكفار من باب أولى
(((ومن الإستحسانات المجيزة للمقاطعة الإقتصادية )))
1 _ يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( الحكمة ضالة المؤمن فإن وجدها فهو أحق بها )
قلت : إن الكفار أناس ماديون جشعون لا يعبؤون إلا بالمال
فمن الحكمة استخدام المقاطعة الإقتصادية ليشعروا بفداحة ما أقدموا عليه من نشرهم للرسومات الساخرة من النبي صلى الله عليه وسلم
2_ أن المقاطعة الإقتصادية لأعداء الملة المحمدية تفريغ للغضب الإسلامي العارم من الرسومات بالطرق الصحيحة، دون التعدي أو ارتكاب أفعال ليست من المصلحة
3 _ أن المقاطعة الإقتصادية ذات جدوى كبيرة
ونرى ذلك جليا فيما يصدر من قرارات أممية من مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات ومقاطعة اقتصادية على بعض الدول التي تخالف القوانين الدولية
مما له أثر بالغ ، وشواهد ملموسة على جدوى هذا العمل
والله تعالى يقول ( ... فاعتبروا يا أولي الأبصار )
((( الوسطية الإسلامية في مسألة المقاطعة الإقتصادية )))
يجب أن تراعى المصلحة والمفسدة في المقاطعة الإقتصادية ، ولها أربعة أحوال ( منقول بتصرف ) :-
1_ إذا غلب على الظن أن المقاطعة الإقتصادية لها ضرر بالغ على الكفار ،
ولم يترتب عليها أي مفسدة على المسلمين ، فعندئذ تصبح واجبة
2_ أن لا يترتب على المقاطعة الإقتصادية ضرر على الكفار
وتفضي إلى مفسدة راجحة ، فعندئذ تصبح المقاطعة الإقتصادية محرمة
وإن كانت المفسدة غالبة لم ينظر إلى المصلحة
وإن تساوت المصلحة والمفسدة ، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح
3_ أن لا تفضي المقاطعة الإقتصادية إلى إلحاق الضرر بالكفار
ولا تفضي إلى مفسدة راجحة على المفسدة التي يراد إزالتها أو تخفيفها بالمقاطعة
فالذي يتبين لي أنها تندب وتجوز
لأنها ستكون من طرق التعبير عن الإحتجاج والغضب من أفعال الكفار المسيئة للمسلمين ودينهم
((( كلمة أخيرة )))
وبعد هذا العرض الذي أرجوا أن يكون شاملا لمسألة المقاطعة الإقتصادية
وبيان حقيقتها وصورها وحكمها ، والرد على بعض إعتراضات المانعين لها
أفلا تكون المقاطعة الإقتصادية لأعداء الملة المحمدية
_ الذين ارتضوا الرسومات الساخرة من مقام النبي صلى الله عليه وسلم _ من نصرة نبينا ؟
يقول تعالى ( ... فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون )
وبالنسبة لمسألة المقاطعة الإقتصادية من عدمها ، أو تأييدها أو منعها فهي من المسائل الشرعية الإجتهادية العصرية التي يستساغ فيها الخلاف
والخلاف لا يفسد للود قضية
وهي مسألة قابلة للأخذ والرد ، وليس لأحد أن يجبر أحدا على اجتهاده ورأيه
فالناس مخيرون في المقاطعة الإقتصادية ، وليسوا مجبرين عليها
ولست أقول بأن من أيد المقاطعة الإقتصادية محب للنبي صلى الله عليه وسلم ويريد نصرته
وأن من منعها على العكس من ذلك ، حاشا لله ، فالأمر فيه سعة ، والحمدلله
وحسبي أني قد اجتهدت في جمع وإعداد هذا البحث الشرعي لمسألة اقتصادية حادثة
فأحسبه أنه رد علمي مدعم بالأدلة ، وخالي من الحشو الزائد ، ومليئ بالفوائد
واختصرته قدر المستطاع ، ونشرته في مجالس العوازم حبا لنشر العلم الشرعي بين أبناء عمومتي
وليراه من يراه من إخواني المسلمين
وأتمنى أن أكون قد أسهمت بنشر فائدة مفيدة في المجلس السياسي في مجالس العوازم الرسمي
فإن كان مما سبق بحثه حق وصواب فهو توفيق من الله تعالى أن أرشدني إليه
وإن كان غير ذلك فأعزوه إلى نفسي المقصرة ، وأتوب منه إلى الله
والله ورسوله منه بريئان
ولاتنسونا من الدعاء الصالح في ظهر الغيب
وصلى الله وسلم على نبينا محمد
كتبه وأعده أخوكم : أبوعمران
عبدالله ماطر المثال
يوم الإثنين / الموافق : 24 _ 5 _ 2010م
رابط الموضوع
http://alawazm.com/vb/showthread.php?t=134620
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق